ابراهيم بن عمر البقاعي
225
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان اختصاصهم بالإرث عن النساء والأطفال من الفوز عندهم ، بل لم يكن الفوز العظيم عندهم إلا الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من الآمال قال تعالى معظما بأداة البعد : وَذلِكَ أي الأمر العالي المرتبة من الطاعة المندوب إليها الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * أي لا غيره من الاحتواء على ما لم يأذن به اللّه ، وهذا أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا فيه مع ما فيه من التلطف بهذه الأمة والتبشير له صلّى اللّه عليه وسلّم بأنها مطيعة راشدة . ولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبعه الترهيب فطما لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ أي الذي له العظمة كلها وَرَسُولَهُ أي في ذلك وغيره وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ أي التي حدها في هذه الأحكام وغيرها ، وأفرد العاصي في النيران في قوله : يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان ، ولما كان منعهم للنساء والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله : وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ * . ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء ، وكان الإحسان في الدنيا تارة يكون بالثواب ، وتارة يكون بالزجر والعتاب ، لأن مدار الشرائع على العدل والإنصاف ، والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط ، وختم سبحانه بإهانة العاصي إحسانا إليه بكفه عن الفساد ، لئلا يلقيه ذلك إلى الهلاك أبد الآباد ، وكان من أفحش العصيان الزنى ، وكان الفساد في النساء أكثر ، والفتنة بهن أكبر ، والضرر منهن أخطر ، وقد يدخلن على الرجال من يرث منهم من غير أولادهم ؛ قدمهن فيه اهتماما بزجرهن فقال : وَاللَّاتِي وهو جمع « التي » ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ذلك مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [ النساء : 3 ] وإلى كثرة الفساد منهن يَأْتِينَ أي يفعلن - من إطلاق السبب على المسبب ، والتعبير به أبلغ الْفاحِشَةَ أي الفعلة الشديدة الشناعة ، وفي الآية - لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب آيات الإرث وما تقدمها الاحتياط للنسب - إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لإرث الولد الآتي منها إلى أن الولد للفراش ، وأنه لا ينفي بالمظنة ، بل بعد التحقق على ما في سورة النور ، لأنه لا يلزم من وجود الزنى نفيه ، وكونه من الزنى ، قال أبو حيان في النهر : والفاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أبو مسلم الأصفهاني من أنها المساحقة ، ومن الرجال اللواط ، ثم بين الموصول بقوله : مِنْ نِسائِكُمْ أي الحرائر فَاسْتَشْهِدُوا أي فاطلبوا أن تشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً من الرجال . ولما كان تعالى قد جعل هذه الأمة وسطا يقبلون على غيرهم ولا يقبل غيرهم